عبد الكريم الخطيب

864

التفسير القرآنى للقرآن

ذلك أنه إذ لم تكن هناك هجرة بعد الفتح ، كما يقول الرسول الكريم : « لا هجرة بعد الفتح ولكن نيّة وجهاد » - فإنه بهذه المشاعر التي يرتبط بها المسلم بالمسلمين جميعا ، وبهذا الدعاء الذي يدعو به ، لإخوانه الذين سبقوه بالإيمان - بهذه المشاعر ، وبهذا الدعاء ، يكون قد بذل من ذاته شيئا ، وقدّم لإخوانه خيرا ، واقتسم معهم ما يدعو اللّه به من رحمة ومغفرة ، وبهذا أيضا يكون أشبه بالأنصار الذين آووا المهاجرين ، واقتسموا معهم أموالهم وديارهم . . وفي قوله تعالى : « وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا » - إشارة أخرى إلى أنه إذا لم يكن من المؤمن وصلة من مال أو دعاء بخير ، يصل به إخوانه المؤمنين ، فلا أقلّ من أن يخلى قلبه من الغلّ ، والحسد ، والحقد والبغضة ، لإخوانه المؤمنين . . فإذا لم يستطع أن يوصّل إليهم شيئا من الخير ، فليمسك يده ولسانه ، عن أي شر أو أذّى ، يلحق بمسلم من جهته ! . وهذا ما يشير إليه الحديث الشريف : « المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده ، والمهاجر من هجر ما نهى اللّه عنه » . . وفي جعل الغلّ في القلوب ، إشارة إلى أن القلوب هي مستودع المشاعر ، من حب أو بغض ، ومن مودة أو جفاء . . وأن هذه المشاعر هي التي تتولد منها الأقوال والأفعال ، ولهذا كان على المرء أن يحرس نفسه من الوساوس والخواطر السيئة ، ولا يدع لها فرصة كي تتمكن منه ، وتستقر في وجدانه ، فإنها إن تمكنت منه ، واستقرت في كيانه ، كانت قوة عاملة في توجيه سلوكه ، وتشكيل أعماله . . وأصل الغلّ ، من الغلة والغليل ، وهو ما يجده الإنسان في داخله من حرارة العطش ، ومعناه هنا : العداوة والحقد ، حيث تغلى الصدور ، وتحترق القلوب بنار الحقد والعداوة .